الجمعة، 6 أغسطس، 2010

قصة اصحاب الكهف


أصحاب الكهف

جاء رجل من الكفار إلى يهودي في المدينة المنورة يقول له إن محمد يقول أنه نبي مرسل برسالة ، ونحن لا نصدقه فكيف نجادله ونعرف أنه نبي .فقال لهم اليهودي :"سلوه عن قصة أهل الكهف ، فإن أخبركم بذلك فهو نبي فأتبعوه." سأل الكفار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن القصة ، فنزل جبريل وقص القصة على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد ظن الكفار أنهم سيعجزوا الرسول بالسؤال عن هذه القصة ، فرد عليهم بقصتهم كما وردت في القرآن الكريم

كما قال سبحانه عز وجل : في سورة الكهف من الاية 9 الى الاية 26

( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً{9} إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً{10} فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً{11} ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً{12} نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{13} وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً{14} هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً{15} وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً{16} وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً{17} وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً{18} وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً{19} إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً{20} وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً{21} سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً{22} وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً{23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً{24} وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً{25} قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً{26}

وهذه قصة أهل الكهف

كان في بلدة قديمة تدعى أفسوس كان أهلها يعبدون الأصنام ويكفرون بالله سبحانه وتعالى ،وازداد السوء في المدينة عندما وصل إلى حكم ملك ظالم كافر و يدعى دقيانوس كان جائرا يعذب المؤمنين بالله عز وجل و يقتل كل من يترك عبادة الأصنام ،

وفي يوم من الأيام خرج أهل ( أفسوس ) في يوم عيدهم يحتفلون بأوثانهم ، ويتقربون إلى أصنامهم جاهلين بأن تلك الأصنام لا تنفعهم بشيء .لكن فتى من أشرافهم لم يكن مقتنعا بما يفعله قومه ، بل كان يكره عبادة الأصنام ، وكان يعبد الله الواحد سرا ، وكان يذهب متخفيا إلى مكان بعيد ليجلس تحت شجرة يسبح الله على عظيم خلقه .وبعد وقت قصير انضم إليه جماعة من الفتيان المؤمنين بالله وكانوا من أشراف الناس فجلسوا يتحدثون عن سوء عقيدة قومهم واتفق الفتية على أن يكتموا أمر إيمانهم بالله وأن يجتمعوا خفية بين وقت وآخر ليتفكرون في خلق الله ويسبحونه ويطلبون المعونة منه عز وجل و الرحمة .

وفي يوم من الأيام سمعوا بأن الملك علم بأمرهم وتوعد بقتلهم وأمر جنده بالبحث عنهم في كل مكان ، تحير الفتية ماذا يفعلون !قرروا الثبات على دين الله و الصمود ضد الكفار و بعد أيام أحضر الملك الفتية في قصره و قال غاضبا : كيف تتركون دين الملك و عبادة الأصنام هل جننتم ؟ فقالوا كلا إنما نعبد الله الواحد الخالق الرازق ، فهذه الأصنام لا تخلق ولا ترزق !!فازداد غضب الملك وهددهم بالقتل في الغد إن لم يرجعوا إلى دينه.تشاور الفتية و المؤمنين ماذا يفعلون ثم قرروا الفرار بدينهم إلى كهف في الجبل ، وهناك يعبدون الله كما يشاءون دون أن يصيبهم الملك وجنوده بأذى ، جمعوا زادهم و متاعهم و توجهوا نحو الجبل فرآهم كلب وكان اسمه قطمير في الطريق فرافقهم و صار يحرسهم .

و صل الفتية متعبين إلى الكهف فتناولوا طعامهم ثم اضطجعوا قليلا ليريحوا أنفسهم وإذا بهم ينامون نوما عميقا ، فيمر عليهم عام إثر عام وهم راقدون لا يستيقظون .حفظ الله أجسام الفتية من التغيير مع مر السنين بأن جعلهم يتقلبون نحو اليمين وأخرى نحو الشمال و كلبهم باسط ذراعيه عند باب الكهف نائما ، يرعبون بمنظرهم كل من ينظر إليهم أو يقترب منهم ، ومضى على نوم الفتية في الكهف 300 سنة (وقد ورد في القرآن "ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا وهذا يعني أن القرآن أشار إلى التقويمين الهجري والميلادي معا فقد لبثوا في الكهف 300 سنة ميلادية و309 سنة هجرية (السنة الميلادية تزيد عن الهجرية 11:12 يوم × 300 سنة÷365 = 9 سنوات)،

ثم استيقظوا وهم جياع متعبون من طول النوم فأخذوا يسألون بعضهم البعض ، كم نمتم ؟ قالوا: نمنا يوما أو بعض يوم !لكنهم رأوا شعورهم و أظافرهم قد طالت فقالوا : ربكم أعلم كم لبثتم في هذا الكهف نياما ، فليذهب واحد منا إلى المدينة ليشتري لنا طعاما و ليكن حذرا لكيلا يعرفه أحد ، فيشكي إلى الملك فيأخذه ، ويقتله .خرج واحد منهم إلى المدينة ، وهو حذر فدخل مدينة ( أفسوس ) ، فرأى المدينة قد تغيرت أبنيتها ، و تبدلت أحوالها و رأى وجوها لا يعرفها صورا لم يألفها من قبل فتحير في أمره و اضطرب في مشيته ، فانتبه له الناس فتقدم نحوه رجل ، وقال له : أغريب أنت عن هذا البلد؟. قال : لا لست غريبا . قال الرجل فلم تنظر هنا وهناك وتبدو متحيرا ؟ . قال الفتى : إنني لا أجد مكانا لبيع الطعام فدهش الرجل منه ، لكنه أخذ بيده إلى بائع طعام. أخرج الفتى المؤمن دراهمه ، وأعطاها للتاجر ليعطيه بعض الطعام فدهش التاجر لأن الدراهم قديمة ، منذ أكثر من 300 عام ، و قد نقش عليها اسم ملك قديم اسمه ( دقيانوس ) فظن أنه عثر على كنز ، فنادى جيرانه واجتمع الناس بدهشه حول الفتى فتعجب من نظرتهم إليه و دهشتهم من دراهمه ، فقال لهم مم تتعجبون وهذه الدراهم يتعامل بها الناس كل يوم ؟! أليست مثل الدراهم الفضية التي تتعاملون بها ؟!! فقالوا له : هذه الدراهم منذ زمن الملك (دقيانوس ) الذي مات منذ حوالي 300 سنة,دهش الفتى المؤمن و قال : هل قلتم إن الملك ( دقيانوس ) مات منذ 300 سنة ؟!! قالوا : نعم لكن لماذا تتعجب ،،، أخذ الفتى يخبر الناس عن قصته و أصحابه مع الملك الظالم ، فذهل القوم عندما علموا أن هذا الفتى هو أحد الفتية الأشراف ،

الذين هربوا منذ تسع و ثلاثمائة سنة من حكم ملكهم الكافر .و عندما هم الفتى بالذهاب إلى صحبه قال له الناس : لا تخف فإن الملك الذي يجلس الآن على عرشه هو عبد مؤمن بالله الواحد الأحد ، كما تؤمنون أنتم ، ثم أخبرهم الفتى عن مكان الكهف ، وسبقهم إلى هناك ، فحدث أصحابه بما رآه وما سمعه وإذ بالملك يزورهم ويصافحهم و يعانقهم, و بعد حديث طويل دعاهم ليقيموا في قصره ، فقالوا : بل نبقى هنا حتى يقضي الله فينا أمره .وما هي إلا لحظات حتى شاء الله عز وجل أن يختارهم إلى جواره ، وأن يشملهم برحمته ، فوقعوا الفتية أمواتا على الأرض فدعا الملك و صحبه لهم بالمغفرة و الرحمة ،

ثم أمر الملك بأن يدفنوا في كهفهم، وأن يسد باب الكهف. ثم تنازع الناس و اختلفوا ، هل يبنون على فتية الكهف بنيانا يتذكرونهم أو يبنون قرب كهفهم مسجدا ؟!!ثم استقر رأيهم على أن يبنوا أمامهم مسجدا, وصار الناس يعبدون فيه الله وحده لا شريك له . و صار الناس يتذكرون قصة أصحاب الكهف ، أولئك الفتية المؤمنين الشجعان ، و أيقن الناس بأن الله خلق الإنسان قادر على أن يخلقه مرة ثانية بعد موته ، كما أحيى الله هؤلاء الفتية بعد 309 سنة .

ووفقا للاعتقاد السائد فإن أصحاب الكهف, الذين أثنت عليهم المصادر الإسلامية و المسيحية, تعرضوا لطغيان الإمبراطور الرومانى "دقيوس". و فى محاولة من هؤلاء الفتية للتصدى لظلم "دقيوس" و طغيانه, حذروا قومهم مراراً من أن يتركوا دين الله. و لكن أمام إعراض قومهم, و اشتداد ظلم الإمبرطور و توعده لهم بالقتل, ترك الفتية مساكنهم.

تكشف السجلات التاريخية عن عدد من الأباطرة الذين مارسوا سياسة الاضطهاد والإرهاب والتعذيب في حق المؤمنين من المسيحيين الأوائل الذين كانوا متمسكين بالمعتقد المسيحي الأصلي الصافي.

و فى خطاب أرسله الحاكم الرومانى "بيلونيوس" (690-113 ميلادية) ؛ بشمال غرب الأناضول, إلى الإمبراطور "تريانيوس" ,أشار "بيلونيوس" إلى " أصحاب المسيح " الذين أوذوا لرفضهم عبادة تمثال الإمبراطور. و يعد هذا الخطاب أحد الوثائق الهامة التى تتحدث عن الظلم والقهر الذى تعرض له المسيحيون الأوائل آنذاك.

وفى ظل تلك الظروف, رفض هؤلاء الفتية الخضوع لهذا النظام الكافر, و عبادة الإمبراطور إلهاً من دون الله (... فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَد قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلآءِ قَومُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّولا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً ) (الكهف: 14-15).

أما بالنسبة للمكان الذي كان يعيش فيه أصحاب الكهف, فإن الآراء تتعدد وتتباين, ولكن أكثر هذه الآراء اعتدالاً هو مدينتى "إفسوس" و "طرسوس". ويمن القول أن جميع المصادر المسيحية على وجه التقريب تعتبر مدينة "إفسوس" هى مكان الكهف الذى التجأ إليه هؤلاء الفتية المؤمنين. و يتفق بعض الباحثين المسلمين و مفسري القرآن الكريم مع المسيحيين على أن "إفسوس" هى المكان, كما أوضح آخرون بشىء من التفصيل أن مكان الكهف ليس "إفسوس" و عليه فقد حاولوا أن يثبتوا أن الحدث وقع فى مدينة "طرسوس." و فى هذا البحث سنتناول كلتا المدينتين بالدراسة و مع هذا, فإن هؤلاء الباحثين و المفسرين جميعهم, بما فيهم المسيحيون, أتفقوا أن الحدث وقع فى عهد الإمبراطور الرومانى "دِقيوس", ويقال له ايضاُ "دِقيانوس", و كان ذلك فى حوالى عام 250 ميلادية .

و يعتبر "دقيوس", إلى جانب "نيرو", هو الإمبراطور الرومانى الذى نكل بالمسيحيين تنكيلاً شديداً. و أثناء فترة حكمه القصيرة, أجبر "دِقيوس" كل من يخضع لحكمه أن يقدم القرابين للآلهة , بل و أن يأتى بما يثبت أنه فعل ذلك و يعرضه على كبار الدولة. ومن لم يستجب منهم, كان يأمر بقتله.

تنص المصادر المسيحية على أن الغالبية العظمى من المسيحيين رفضوا ممارسة تلك الأفعال الوثنية , وهموا بالفرار من مدينة إلى أخرى, أو الإختباء فى أماكن نائية. و من المرجح أن أصحاب الكهف كانوا من ضمن هؤلاء المسيحيون الأوائل.

و فى الوقت نفسه لابد هنا من التأكيد على نقطة هامة وهى أن تلك الأحداث نقلها لنا بعض مؤرخى المسلمين و المسيحيين بما يشبه الحكاية , و تحولت بعد ذلك إلى أسطورة نتيجة لما أضيف إليه من أكاذيب و إشاعات , و لكن رغم كل ذلك فإن الحدث يعد واقعة تاريخية .

هل كان أصحاب الكهف فى "إفسوس"؟

و فيما يتعلق بالمدينة التى عاش فيها الفتية و الكهف الذى أووا إليه, فتشير المصادر إلى عدة أماكن . ويرجع ذلك إلى سببين :

الأول :رغبة الناس فى الاعتقاد بأن مثل هؤلاء الفتية الشجعان كانوا يعيشون فى مدينتهم. و الثاني : الشبه الكبير بين الكهوف فى تلك المنطقة ؛حيث أنه فى جميع الأماكن تقريباً, يوجد مكان للعبادة يقال انه بُنى فوق الكهوف .

و كما هو معروف فإن المسيحيون اتفقوا على أن تكون "إفسوس" هى المكان المقدس؛ حيث يوجد في تلك المدينة منزلاً يُقال إنه للسيدة مريم العذراء, وقد أصبح فيما بعد كنيسة. لذلك فإنه من المرجح أن يكون أصحاب الكهف قد أقاموا فى واحد من تلك الأماكن المقدسة . علاوة على ذلك, فإن بعض المصادر المسيحية تؤكد أن "إفسوس"هى المكان .

و يعد القديس السورى "جيمز" (وُلد452ميلادية) أقدم المصادر فى ذلك الصدد, و استشهد "جيبون" المؤرخ الشهير فى كتابه " تدهور و سقوط الدولة الرومانية" بالكثير من دراسة "جيمز". ووفقاً لما جاء في هذا الكتاب, فإن الإمبراطور الذى عذَب الفتية السبعة المسيحيين المؤمنين هو "دِقيوس" . و قد حكم "دقيوس" الإمبراطورية الرومانية فى الفترة ما بين 249 و 251 ميلادية .واشتهرت فترة حكمه بألوان العذاب التى مارسها ضد أتباع النبي عيسى عليه السلام.

ويرى المفسرون المسلمون أن المكان الذى وقع فيه الحدث هو إما "أفسوس" أو "أفسُس", فى حين يرى "جيبون" أنه "إفسوس." و لأن تلك المدينة تقع على الساحل الغربى لبلاد الأناضول, فإنها تعد من أكبر موانى ومدن الإمبراطورية الرومانية. و اليوم يُعرف حطام تلك المدينة باسم"مدينة إفسوس العتيقة"

و يرى الباحثون المسلمون أن الإمبراطور الذى كان يحكم البلاد فى الفترة التى قام فيه أصحاب الكهف من رقدتهم اسمه "تيزوسيوس", فى حين يرى "جيبون" أن اسمه "ثيودسيوس الثانى" و قد حكم هذا الإمبراطور البلاد فى الفترة من 408 إلى 450 ميلادية بعدما دانت الإمبراطورية الرومانية بالمسيحية.

و في بعض التفسيرات المتعلقة بالآية التالية, قيل أن باب الكهف كان من نحو الشمال, وعليه فإن ضوء الشمس كان لا يصل إلى الداخل , ولهذا فإن من يمر على الكهف كان لا يستطيع أن يرى ما بداخله, و الآية توضح هذا المعنى :

( وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِم ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرشِداً ) (الكهف: 17).

و أشار عالم الآثار دكتور "موسى باران" فى كتابه "إفسوس" إلى مدينة "إفسوس" باعتبارها المكان الذى كان يعيش فيه مجموعة الفتية , و أضاف قائلاً

"فى عام 250 ميلادية, كان يعيش سبعة فتية فى "إفسوس" وقد اختاروا المسيحية ديناً لهم و تركوا عبادة الأوثان, وفيما هم يبحثون عن مكان للهروب بدينهم, عثروا على كهف بالمنحدر الشرقى لجبل "بيون". و قد رأى ذلك جنود الرومان فبنوا حائطاً ليسدوا به مدخل الكهف" [1]

واليوم يشاهد العديد من المباني الدينية وقد بنيت فوق هذه الحجارة والقبور، أظهرت الحفريات التي قام بها المعهد الاسترالي الأثري عام 1926 أن الآثار التي ظهرت على سفح جبل بيون تعود إلى بناء تم تشييده تكريماً لأصحاب الكهف في منتصف القرن السابع (خلال حكم ثيودوسيوس الثاني)[2].

هل أصحاب الكهف فى طرسوس؟

و المكان الثانى الذى أُشير إليه باعتباره المكان الذى عاش فيه أصحاب الكهف هو مدينة "طرسوس." و بالفعل فإن هناك كهفاً شديد الشبه بذلك الذى و صفه القرآن الكريم , و يقع على جبل يُعرف باسم "إنسيلوس" أو "بنسيلوس" بشمال غرب "طرسوس." و فكرة أن تكون مدينة "طرسوس" هى المكان الصحيح كان رأى علماء المسلمين .

و قد حدد "الطبرى" , و هو واحد من أهم مفسرى القرآن الكريم, اسم الجبل الذى يوجد به الكهف على أنه "بينسيلوس" و ذلك فى كتابه "تاريخ الأمم" و أضاف أن الجبل فى "طرسوس, و قال أيضاً "محمد أمين", وهو من أشهر مفسرى القرآن, أن الجبل كان اسمه "بنسيلوس" و أنه فى "طرسوس". و يمكن أن تنطق "بنسيلوس" على أنها "إنسيلوس", و فى رأيه أن الاختلاف بين الكلمتين يرجع إلى اختلاف نطق حرف "الباء", أو لفقدان حرف من الكلمة الأصلية و هو ما يُعرف "بالنحت التاريخى للكلمة".

و أوضح "فخر الدين الرازى"(3), وهو أيضاً من أشهر علماء القرآن الكريم, أنه بالرغم من أن المكان يُطلق عليه "إفسوس", فإن القصد هو "طرسوس" لأن "إفسوس" ما هى إلا مسمى آخر لمدينة "طرسوس." بالإضافة إلى ذلك, فإنه فى شروح كل من: القاضى البيضاوى والناصفى و تفسير الجلالين و التبيان (4)و تفسير العاملي والناصوحى بيلمين وغيرهم من العلماء, تم تحديد المكان على أنه "طرسوس." هذا إلى جانب أن كل هؤلاء المفسرين فسروا قوله تعالى: ( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً * وتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ونُقَلِّبُهُم ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً )( الآية 17) بقولهم أن مدخل الكهف كان من نحو الشمال (4) .

وكذلك كان مُقام أصحاب الكهف موضعاً للاهتمام أيام الخلافة العثمانية, وقد أُجريت بعض الأبحاث بهذا الشأن. و تمت بعض المراسلات و تبادل المعلومات حول هذا الموضوع فى مخازن السجلات العثمانية برئاسة الوزراء؛ فعلى سبيل المثال, أشتمل خطاب بعثته إدارة "طرسوس" المحلية إلى رئيس خزانة الدولة العثمانية على طلباً رسمياُ بإعطاء مرتبات لهؤلاء المسؤولين عن تنظيف "الكهف" و الحفاظ عليه. ونص الرد على أنه لكى تُخَصص مرتبات لهؤلاء الأشخاص, لابد من التأكد أن هذا المكان هو بالفعل المكان الذى أقام به أصحاب الكهف. و البحث الذى أُجرى بهذا الصدد قد ساعد كثيراً فى تحديد المكان الحقيقى للكهف.

و بعد التحقيقات التى أجراها المجلس القومى تم إعداد تقرير ينص على الآتى:

"إلى الشمال من مدينة طرسوس, فى بلدة "عَدَنة", يوجد كهفاً على جبل يبعد ساعتين عن المدينة و مدخله يتجه ناحية الشمال كما أخبر القرآن الكريم"

و كثُيراً ما كانت المناظرات حول هوية أصحاب الكهف و أين و متى كانوا يعيشون حافزاً للسلطات لكى تجرى المزيد من البحوث بهذا الشأن. و برغم التعليقات العديدة, فإن أياً من هذه التعليقات لا يعتبر أكيداً؛ ولذلك فإن أسئلة مثل: "فى أى فترة عاش هؤلاء الفتية المؤمنون" و " أين الكهف الذى أخبرنا عنه القرآن الكريم" ظلت دون إجابة واضحة.

المصدر:

PERISHED NATIONS R . HARUN YAHYAمترجم عن كتاب

قام بالترجمة من الإنكليزية إلى العربية الأخت الكريمة مي أحمد من مصر .

المراجع :

نقلاً عن كتاب الأمم البائدة للداعية التركي هارون يحيى .

[1] موسى باران، إيفس الصفحة 23-24 .

[2] ماسنيون، أوبرا مينورا، المجلد الثالث، الصفحات 104-108

[3] تفسير روح المعاني للفخر الرازي .

(4) من تفسير القاضى,و البيضاوى,و الناصفى,و الجلالين,و التبيان

هذا والله اعلم وصلى الله على محمد واله

المزيد من التحميلات والمعلومات الاسلامية اضغط هنا

‏ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عزيزي الزائر بادر بوضع تعليق إذا كان الموضوع قد حاز على اعجابك - وساهم معنا بنشر تلك الصفحة لأكبر عدد ممكن من الناس عن طريق المواقع الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر والمنتديات عسى أن يستفيد منه الأخرين - مع العلم أن التعليق لن يتم نشره إلا بعد مراجعته.